تخيلو معايا… واحد الإنسان خرج حي من تجربة هو بنفسو كان كيقول إن عدد كبير من الناس اللي عاشوها معاه ما خرجوش منها أصلًا. قدر يهرب من بلادو، وصل لأوروبا، ولقى أخيرًا مكان يقدر يعيش فيه بعيد نسبيًا على نفس الأجهزة اللي اعتقلاتو وعذباتو. أي واحد فبلاصتو كان ممكن يحاول يسد الباب على الماضي ويبدأ حياة جديدة، ولكن مازن الحمادة دار العكس تمامًا. وقف قدام الصحافة والمنظمات الحقوقية والمسؤولين السياسيين وبدأ كيعاود بالتفصيل شنو تعرض ليه داخل مراكز الاعتقال السورية، وشنو شاف كيوقع للناس اللي كانوا محبوسين معاه. كان عارف أن كل مرة كيحكي فيها خاصو يرجع نفسيًا لأصعب مرحلة فحياتو، ولكن بالنسبة ليه السكوت كان معناه أن الأشخاص اللي ما خرجوش من السجن غادي يبقاو بلا صوت.
لهذا بالضبط قصتو ما سالاتش ملي خرج من سوريا. بعد سنوات من الشهادات والسفر بين أوروبا والولايات المتحدة، بدأ مازن كيبان أكثر إحباطًا، وحسب الناس اللي كانوا قريبين منو، كان حاس أن العالم سمع التفاصيل كاملة ولكن النتيجة على الأرض ما تبدلاتش بالشكل اللي كان كيتمناه. ومن بعد جا القرار اللي حتى صحابو وعائلتو كانوا كيحاولو يفهموه: سنة 2020، الرجل اللي قضى سنوات كيحكي للعالم على التعذيب فالسجون السورية قرر يرجع بنفسو إلى دمشق. وصل للمطار، اتصل بأفراد من عائلتو وهو باين عليه الخوف، ومن بعد توقف التواصل معه نهائيًا. لأكثر من أربع سنوات، بقى السؤال هو: فين مشى مازن؟ واش باقي حي؟ واش رجع لنفس السجون اللي سبق وخرج منها؟
شكون كان مازن الحمادة قبل ما يعرفو العالم؟
مازن الحمادة تزاد سنة 1977 فمنطقة دير الزور شرق سوريا، وكان قبل أحداث 2011 خدام فمجال النفط والغاز وما كانش شخصية سياسية عالمية ولا ناشط معروف خارج بلادو. مع بداية الاحتجاجات السورية، شارك فمظاهرات معارضة للحكومة وبدأ حتى كيوثق بعض الأحداث وينقل المعلومات. هاد النشاط خلاه يدخل بسرعة فاهتمام أجهزة الأمن، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة قبل ما تبدأ المرحلة الأكثر قسوة فـ2012، ملي تم توقيفه وهو مشارك فمحاولة إيصال مواد، من بينها حليب الأطفال، لمنطقة داريا اللي كانت فداك الوقت كتعيش وسط النزاع والحصار.
من داك اللحظة، مازن دخل فشبكة من فروع المخابرات ومراكز الاحتجاز اللي غادي يولي من بعد كيهضر عليهم أمام العالم. فشهاداتو قال إنه تعرض للضرب، التعليق، الصدمات الكهربائية والعنف الجنسي، وإن المحققين كانوا باغين منه يوقع على اعترافات بجرائم كان كيقول إنه ما دارهاش. مازن شرح لاحقًا لـThe Washington Post أنه فواحد المرحلة ما بقاش قادر يتحمل، ووقع على الأشياء اللي طلبوها منه فقط باش يوقف التعذيب. التفاصيل اللي حكاهـا كانت ثقيلة جدًا، ولكن القيمة ديال شهادتو ما كانتش فقط فشنو تعرض ليه هو؛ كان باستمرار كيرجع حتى للأشخاص اللي شافهم كيتعذبو أو يموتو حداو داخل المعتقلات.
فرع المخابرات والمستشفى العسكري: حتى المكان اللي خاصو يعالج الناس ولى جزء من الشهادة
من بين أكثر الأماكن اللي بقا مازن كيهضر عليهم كان فرع المخابرات الجوية ومحيط المزة بدمشق، ومن بعد المستشفى العسكري 601. الإنسان ملي يسمع كلمة مستشفى، كيتخيل أنه على الأقل خرج من التعذيب ودخل لمكان العلاج، ولكن شهادة مازن وشهادات معتقلين آخرين وصفات واقع مختلف تمامًا، وكانت كتتكلم على الإهمال وسوء المعاملة والعنف حتى داخل المنشآت الطبية المرتبطة بمنظومة الاعتقال. فـ2025، خلال محاكمة فـFrankfurt مرتبطة بجرائم ارتكبت داخل المنظومة الطبية السورية، تم عرض شهادة مسجلة لمازن حول مستشفى 601 كجزء من الأدلة اللي ناقشتها المحكمة.
هاد النقطة كتخلينا نفهمو علاش مازن ما كانش كيقدم التجربة ديالو على أنها قصة ديال محقق واحد خرج عن السيطرة، ولكن كمنظومة كاملة فيها الاعتقال، التحقيق، السجن والمستشفى، وكل مرحلة كتقدر تكمل اللي بدات المرحلة اللي قبلها. ولهذا ملي خرج من سوريا من بعد، الهدف ديالو ما كانش فقط يقول «أنا تعذبت»، وإنما كان باغي يوثق نمط أكبر ويخلي الناس اللي كيقولوا إن هاد الشهادات مجرد إشاعات يواجهو إنسان مستعد يحكي باسمو وصورتو ويوري حتى الآثار اللي بقات فجسمو.
خرج من السجن… ولكن التجربة ما خرجاتش منو
فـ2013 خرج مازن من الاعتقال، ومن بعد هرب من سوريا ووصل إلى هولندا سنة 2014 وحصل على الحماية. هنا من الخارج تقدر تقول إن الجزء الأصعب سالا: الرجل خرج من السجن، خرج من البلاد، وعندو حياة جديدة قدامو. ولكن الشهادات ديال الناس اللي عاشو معاه من بعد كتوضح أن المسألة ما كانتش بهذه البساطة. مازن بقى كيعيش مع آثار جسدية ونفسية قوية، وكان كل مرة كيتكلم فندوة أو مقابلة كيضطر يرجع لنفس التفاصيل اللي أصلاً كان باغي يهرب منها.
فأوروبا وأمريكا، مازن تكلم أمام مسؤولين، جامعات، صحفيين ومنظمات حقوق الإنسان، وكان مصمم أن الناس يعرفو شنو كيجري وراء أبواب السجون السورية. Syrian Emergency Task Force، اللي خدم معها، نقلت عنه إصراره على الوصول للمحاسبة حتى لو كلفتو المسألة حياته. ولكن مع مرور السنوات، حسب أصدقاء ومقربين، بدا كيشعر أن شهاداتو كتحرك المشاعر ولكن ما كتجيبش النتيجة السياسية والقضائية اللي كان باغي. The Washington Post كتبت أنه ولى أكثر إحباطًا من ضعف تأثير الحملات ديالو، وأنه كان كيشوف أن الناس كيسمعوه ويعبروا على التعاطف، ولكن السجون مازالت عامرة والناس اللي خلاهم تما مازالو مختفين.
القرار اللي ما فهموه حتى أقرب الناس ليه: الرجوع لسوريا
من هنا بدات فكرة العودة تظهر فحياة مازن. وهاد الجزء بالذات خاصنا ما نختصروش فيه القضية فجملة من نوع «النظام وعدو بالأمان وهو صدق». المصادر كتعطينا صورة أعقد. كاين اللي قال إن مازن تلقى تطمينات بأنه يقدر يرجع بأمان، وكاين أفراد من العائلة قالو من بعد إن السلطات المرتبطة بالنظام السابق كانت كتمارس ضغطًا على أفراد من الأسرة وإن الرجوع كان مرتبط حتى بالخوف عليهم. وفنفس الوقت، الأصدقاء كيتكلمو على إنسان كان مرهق نفسيًا، محبط من المنفى وباغي يدير شي حاجة مباشرة للأشخاص اللي مازالو فالسجون بدل يبقى فقط كيعطي شهادات فالخارج.
لهذا، ملي نقولو إن مازن «اختار يرجع»، الجملة صحيحة من الناحية المادية لأنه هو اللي ركب الطائرة، ولكن ما كتشرحش الظروف اللي كانت دايرة بالقرار. ما عندناش حتى اليوم ملف قضائي علني كامل كيعطينا بالتفصيل شكون كلمه، شنو قالو ليه، واش كاين اتفاق محدد أو شنو مستوى الضغط اللي تعرضات ليه العائلة. المسؤولية التحريرية هنا هي أننا ما نخترعوش السيناريو اللي ناقص، ولكن فالمقابل ما نتصرفوش وكأن رجل معروف بمعارضته للنظام رجع فجأة بلا أي سياق.
22 فبراير 2020: الرحلة اللي ما رجعش منها
فـ22 فبراير 2020، مازن وصل لسوريا بعد رحلة مرّت عبر المنطقة قبل الوصول إلى دمشق. من اللحظات الأكثر توثيقًا فالقضية هي المكالمات اللي دارت بينو وبين أقاربو بعد وصوله. ابن أخته زياد قال لـThe Washington Post إن مازن كان باين عليه الخوف وإنه فهم أن السلطات فالمطار غادي توقفو للاستجواب. حسب الرواية ديال العائلة، مازن حاول يعرف واش ممكن يرجع ويخرج من البلاد بدل يدخل، وزياد كان كيشجعو أنه ما يكملش الدخول. ولكن فهاد الوقت، الأمور كانت على ما يبدو خرجات من يديه.
من بعد هاد المكالمات، التواصل مع مازن توقف بشكل كامل. حساباتو ما بقاوش كيبانو active، وما وصلت للعائلة حتى مكالمة أخرى منه. من داك النهار، ما بقاش السؤال عندهم واش ندم على الرجوع ولا واش غادي يعاود يخرج من سوريا، ولكن ولى سؤال أخطر بكثير: شكون خذاه من المطار، فين حبسو، واش باقي حي، وشنو كيتعرض ليه؟ Human Rights Watch ذكرت من بعد أن مازن تم توقيفه بعد عودته وأن مصيره بقى مجهولًا، وحطت قصتو وسط نمط أوسع ديال الاعتقال والاختفاء القسري المرتبط بسوريين رجعو للبلاد.
أربع سنوات والعائلة ما عندها حتى جواب
بين فبراير 2020 وديسمبر 2024، ما خرج حتى تأكيد علني واضح على مكان مازن أو حالتو. واحد معتقل سابق قال من بعد إنه شافه فمركز تابع للمخابرات الجوية، ولكن من بعد هاد الإشارة انقطعت المعلومات مرة أخرى. بالنسبة للعائلة، هاد النوع من الغموض هو واحد من أكثر الجوانب قسوة فالاختفاء القسري، لأن الأسرة ما كتقدر لا تعيش على أساس أن الشخص حي ولا تدفن الأمل وتبدأ الحداد على أساس أنه مات.
وهادشي ما كانش خاص بمازن وحدو. بعد سقوط نظام الأسد فديسمبر 2024، آلاف الأسر السورية خرجات كتقلب على أقارب اختفوا داخل منظومة الاعتقال، وبعض العائلات كانت كتقلب على ناس اختفو من أكثر من عشر سنين. Reuters وAP وثقو المشاهد ديال الناس اللي تجمعو قدام السجون والمشارح، كيقلبو فصور الجثامين ويحاولو يتعرفو على الأقارب من الأسنان، الندوب أو علامات صغيرة فالجسم لأن الوجوه فعدد من الحالات ما بقاتش قابلة للتعرف بسهولة.
ديسمبر 2024: ملي تبدل السؤال من «فين مازن؟» إلى «واش هادا هو؟»
نهار 8 ديسمبر 2024، سقط حكم بشار الأسد وفر إلى روسيا، وبدأت مراكز الاعتقال والسجون والمنشآت المرتبطة بها تفتح أو تُترك بعد انسحاب الأجهزة السابقة. الناس جراو نحو أماكن بحال صيدنايا وغيرها على أمل يلقاو المعتقلين أحياء، ولكن مع مرور الساعات بدا يظهر واقع آخر: بزاف من الأشخاص اللي العائلات كانت كتسنى خروجهم ما كانوش موجودين، وفمستشفيات ومشارح خرجت جثامين كتظهر عليها آثار عنف شديد.
وسط هاد الصور، العائلة تعرفات على مازن. The National قالت إن أفراد من أسرته تعرفو عليه بعدما تم العثور على الجثمان فـHarasta Military Hospital قبل نقله ضمن جثامين أخرى إلى دمشق، وإنهم استعملو علامات جسدية معروفة عندهم، من بينها علامة قرب الحاجب والأسنان، باش يتأكدوا من الهوية. الجثمان كان عليه آثار عنف واضحة، ولكن التاريخ الدقيق للوفاة ما كانش معروف وقتها بشكل علني.
وهنا خاصنا نصححو واحد المعلومة اللي انتشرت بكثرة بعد سقوط النظام: بزاف ديال المنشورات كتقول ببساطة إن «جثة مازن لقاوها فصيدنايا». بعض التقارير الأولى ربطاتو بصيدنايا، ولكن مصادر أخرى أكثر تفصيلًا قالت إن الجثمان تم العثور عليه فـHarasta Military Hospital ومن بعد نقل لمشرحة دمشق. لهذا فالمقال ديالنا ما غاديش يقطع بشي مكان نهائي للوفاة إلا كان المصدر متأكد، والأدق هو نقولو إن جثمانه ظهر ضمن الجثامين المرتبطة بمنظومة الاعتقال بعد سقوط النظام، وتم التعرف عليه من طرف العائلة فدمشق.
الجنازة اللي تحولت لشي حاجة أكبر من جنازة شخص واحد
فـ12 ديسمبر 2024، مئات الناس شاركو فجنازة مازن فدمشق، ولكن التشييع تحول كذلك لمطالبة بالعدالة ومعرفة مصير باقي المختفين. بالنسبة لكثير من الحاضرين، مازن ما كانش فقط واحد الإنسان اللي مات فالسجن؛ كان واحد من أشهر الناجين اللي قررو يخرجو بوجههم الحقيقي ويشهدو علنًا على التعذيب. AP وصفت كيفاش الناس رددو شعارات كتطالب بالمحاسبة، وفي نفس الوقت بقا السؤال الأكبر حاضر: إذا عرفنا اليوم شنو وقع لمازن، شحال من عائلة أخرى مازال عندها حتى اسم فمشرحة ولا وثيقة تقول فين سالا مصير ولدها؟
هاد اللحظة كتشرح علاش قصة مازن عندها رمز خاص. هو قضى سنوات كيحاول يخلي المعتقلين المجهولين عندهم صوت، ومن بعد الرجوع ولى هو نفسه واحد من المختفين. ملي ظهر جثمانه، الجنازة ديالو ما كانتش فقط نهاية لرحلة عائلتو فالبحث، ولكن كانت تذكير بأن معرفة مصير شخص واحد ما كتجاوبش على ملف كامل ديال عشرات الآلاف من الناس.
التطور اللي خرج فـ2025: «Damascus Dossier» رجع للقضية بوثائق جديدة
القصة ما سالاتش حتى من بعد الجنازة. فـديسمبر 2025، تحقيق دولي كبير باسم Damascus Dossier نشر تفاصيل من أرشيف ضخم وصل للصحفيين، فيه أكثر من 134 ألف صورة ووثيقة مرتبطة بأجهزة الأمن والشرطة العسكرية السورية السابقة. ICIJ وNDR وشركاء صحفيون حللو جزء كبير من هاد المواد، وحددو أكثر من 10,200 معتقل مصورين بعد الوفاة، والوثائق كتغطي سنوات من 2012 حتى 2024.
ومن بين الأسماء اللي ظهرات فهاد الأرشيف كان مازن الحمادة نفسه. ICIJ قالت إن صورته موجودة تحت رقم المعتقل 1174، وإن الصور كيبانو فيها آثار على المعصمين وكدمات فالرجلين. هاد الوثائق كتزيد قيمة كبيرة للقضية لأنها ما بقاتش فقط شهادة عائلة على جثمان تعرفو عليه أو روايات معتقلين سابقين؛ ولات كاينة حتى مادة أرشيفية جاية من داخل المنظومة اللي كانت كتسجل الجثامين بطريقة منظمة.
بالنسبة ليا، هاد التطور كيزيد واحد طبقة مؤلمة جدًا فالقصة. مازن كان سنوات كيقول للعالم إن داخل منظومة الاعتقال كاين قتل وتعذيب وتوثيق بيروقراطي للجثامين، ومن بعد سنوات من اختفائه خرج أرشيف ضخم كيحط هو نفسه كرقم داخل نفس النظام. الرجل اللي كان كيحاول يعطي أسماء ووجوه للمعتقلين تحول داخل الوثيقة لرقم 1174، وهنا كتولي قيمة حفظ الوثائق والتحقيق فيها أساسية ماشي فقط لفهم الماضي ولكن حتى لأي محاسبة مستقبلية.
واش عرفنا دابا بالضبط إمتى وكيف مات؟
مازال خاصنا نكونو دقيقين. الأدلة اللي خرجت من بعد 2024 و2025 زادت كتقربنا من الحقيقة، ولكن ما عندناش قدامنا لحد الآن حكم قضائي نهائي كيحدد الشخص اللي أعطى الأمر بقتل مازن أو كل فرد شارك فالتعذيب والاحتجاز ديالو. الصور والوثائق الجديدة تقدر تكون أدلة مهمة جدًا مستقبلاً، ولكن وظيفة التحقيق الجنائي هي يربط كل وثيقة وسلسلة أوامر بأشخاص محددين، وليس فقط يثبت أن الجريمة وقعت.
ولهذا ما غاديش نقولو «نعرفو اليوم بالتفصيل شكون قتلو وشنو وقع فآخر دقيقة». اللي نعرفوه أقوى من قبل: مازن تم اعتقاله بعد عودته سنة 2020، اختفى داخل منظومة الاحتجاز، ظهر جثمانه بعد سقوط النظام وعليه آثار عنف، ومن بعد خرج أرشيف داخلي فيه صورة موثقة ليه كواحد من المعتقلين المتوفين. أما المسؤولية الفردية الدقيقة، فهي جزء من مسار العدالة اللي مازال خاصو التحقيق والمحاكمة.
علاش رجع؟ هادا هو السؤال اللي مازال الناس كيسولوه
من السهل بزاف نشوفو النتيجة اليوم ونقولو: كيفاش شخص عرف السجون من الداخل يرجع لنفس النظام؟ ولكن هاد السؤال كيولي أقل بساطة ملي كتعرفو الحياة اللي عاشها مازن فالمنفى. كان عندو أمان أكثر، ولكن كان كيعاني من آثار نفسية قوية، وكان كيرجع باستمرار لنفس الذكريات بسبب النشاط الحقوقي، وكان محبط لأنه حاس أن العالم سمع وما تحركش بما يكفي. وزيد على هادشي أن مصادر وعائلتو تحدثو على وعود بالأمان وضغوط مرتبطة بأفراد من أسرته.
إذن ما عندناش سبب واحد نقدر نكتبوه بحروف كبيرة ونقول «هذا هو السبب». ممكن تكون العودة كانت نتيجة خليط من الحنين، الإحباط، الصدمة النفسية، القلق على العائلة والوعود اللي تلقاها. هاد النوع من القرارات الإنسانية نادرًا كيكون عندو مفتاح واحد، وبالنسبة لينا فـFati Stories القيمة ماشي أننا نخلقو جواب بسيط باش المقال يكون أكثر إثارة، ولكن أننا نوري للقارئ علاش السؤال نفسه معقد.
ما الذي نعرفه بشكل مؤكد؟
المؤكد هو أن مازن كان ناشطًا سوريًا شارك فاحتجاجات 2011، تعرض للاعتقال والتعذيب، خرج من سوريا ووصل لهولندا سنة 2014، ومن بعد قضى سنوات كشاهد علني على ممارسات منظومة الاعتقال السورية. رجع إلى دمشق فـ22 فبراير 2020، وتم توقيفه عند الوصول حسب عائلتو وتقارير حقوقية، ومن داك اليوم انقطع التواصل معه لأكثر من أربع سنوات.
المؤكد كذلك أن عائلته تعرفت على جثمانه بعد سقوط نظام الأسد فديسمبر 2024، وأن الجثمان كان يحمل آثار عنف، وأن جنازتو فدمشق تحولت إلى تجمع كبير للمطالبة بالعدالة للمختفين. ومن بعد، فـ2025، خرج Damascus Dossier وفيه مواد أرشيفية موثقة تشمل صورة مازن تحت رقم 1174 ضمن أرشيف واسع لمعتقلين توفوا داخل منظومة الاحتجاز.
وشنو مازال ما نعرفوش؟
ما نعرفوش حتى اليوم جميع التفاصيل الدقيقة ديال السنوات اللي قضاها مازن بين 2020 و2024، وما عندناش سجل عام كامل كيقول فكل شهر فين كان محتجز ومن كان مسؤول مباشرة عليه. كذلك ما نعرفوش بالتفصيل شكون قدم ليه جميع الوعود أو الضمانات قبل الرجوع، ولا شنو المستوى الحقيقي ديال الضغط على العائلة، ولا شكون أصدر الأمر النهائي اللي أدى إلى موته. وجود وثائق وصور جديدة كيقدر يساعد المحققين، ولكن ما خاصش المقال يسبق المسار القضائي ويعطي أسماء أو سيناريوهات ما تثبتوش بعد.
وهنا كيبان المعنى الحقيقي ديال الاختفاء القسري: الجريمة ما كتضربش غير الشخص اللي اختفى، ولكن كتخلي العائلة كلها تعيش سنوات داخل فراغ. ما عندك لا جسد تدفنو، لا خبر تقول بناءً عليه إنه حي، ولا تاريخ وفاة تبدأ منه الحداد. وفحالة مازن، العائلة حصلت أخيرًا على جزء من الجواب، ولكن بقا عدد ضخم من الأسر السورية حتى من بعد سقوط النظام كيقلبو على نفس الشي.
شاهد القصة كاملة بالفيديو
تحليل Fati Stories: واش الإنسان كيخرج فعلاً من السجن ملي يفتح الباب؟
بالنسبة ليا، هادي هي أكثر فكرة كتشدني فملف مازن. حنا كنشوفو السجن كواحد المكان: باب مسدود، حيطان وحراس. إلى خرجتي من الباب، كنقولو نجوت. ولكن تجربة مازن كتورينا أن الإنسان يقدر يخرج بجسمه ويبقى جزء منه محبوس تما. لسنوات، كان كيهضر على نفس الأصوات، نفس الوجوه ونفس الأشخاص اللي ماتوا حداو. كان عندو حياة جديدة فهولندا، ولكن الماضي ما تحولش لذكرى بعيدة؛ ولى جزء من العمل اليومي ديالو ومن السبب اللي كيخليه يسافر ويشهد.
ومن هنا، الرجوع ديالو ما خاصناش نقدموه كقصة رجل «نسي» شنو وقع ليه، لأنه بالعكس كان كيتذكر أكثر من معظم الناس. السؤال الأصعب هو واش كثرة التذكر نفسها، مع الإحباط والشعور بالعجز تجاه الناس اللي بقاو فالسجون، قدرت تبدل الطريقة اللي ولى كيشوف بها الخطر. هادي ماشي نتيجة طبية نقدروا نشخصوها من بعيد، ولكن هي زاوية إنسانية كتخلينا نفهمو أن القرارات ديال الناجين من التعذيب ما خاصهاش تتحاكم بنفس البساطة اللي كنحكمو بها على قرار سياحي أو مهني عادي.
الحاجة اللي شدتني أكثر فالقضية ماشي الجثمان… هي المكالمة الأخيرة
أكثر لحظة بالنسبة ليا كتختصر قصة مازن هي المكالمة من مطار دمشق. بعد كل السنوات ديال التخطيط والحديث على الرجوع، وصل أخيرًا للبلاد، وفاللحظة اللي ولى فيها داخل المكان اللي كان باغي يرجع ليه، بان الخوف. ابن أخته قال إن صوتو كان متوتر وإنه كان كيتكلم على إمكانية يرجع ويخرج من المطار، والعائلة كانت كتقول ليه ما يكملش الدخول. ولكن المأساة فهاد النوع من اللحظات هي أننا حنا كنشوفوها من النهاية: عارفين أن هادي كانت آخر فرصة. مازن فداك الوقت ما كانش عندو المستقبل قدامو باش يعرف شنو غادي يوقع من بعد.
وهذا هو اللي كيخلي القصص الحقيقية مختلفة على الأفلام. فالفيلم، الموسيقى كتقول لك «ما تدخلش». فالحياة، القرار كيوقع وسط معلومات ناقصة، ووعود، أمل، خوف وضغط، ومن بعد ملي كتوقع الكارثة كنرجعو لكل إشارة قديمة ونقول كانت واضحة. ولكن ما كانتش واضحة بنفس الشكل للشخص اللي كان كيعيشها.
العالم كان عارف… وهادشي هو الإرث الحقيقي ديال مازن
The Washington Post لخصت قيمة مازن بطريقة قوية: بسبب شهادتو، العالم ما يقدرش يقول إنه ما كانش عارف. مازن وقف باسمو وصورتو، حكى على اللي تعرض ليه ووافق يعاود التفاصيل مرات كثيرة، رغم الثمن النفسي، لأنه كان باغي يخلي شي أثر يقدر يتحول يومًا إلى دليل أو محاسبة.
والمفارقة المؤلمة هي أن Damascus Dossier اللي خرج فـ2025 عطانا صورة جديدة لهد الإرث. مازن اللي كان كيهضر على كيفاش النظام كيحول المعتقلين لأرقام، ظهر هو نفسه فالوثائق برقم 1174. بالنسبة ليا، هادي ماشي غير معلومة قوية للمقال؛ هي تقريبًا الصورة اللي كتختصر القضية كلها. الإنسان كيبغي يقول للعالم «كل رقم عندو اسم وقصة»، والمنظومة كتجاوبو بتحويلو حتى هو لرقم.
مازن ما كانش وحدو
ضروري ما نخليوش المقال يوحي أن مازن كان حالة منفصلة داخل النظام السوري السابق. الوثائق الجديدة ديال Damascus Dossier وحدها تضمنت صور أكثر من عشرة آلاف معتقل متوفى، بينما منظمات حقوقية كتقدر عدد المختفين قسريًا المرتبطين بالنظام السابق بأرقام أكبر بكثير. ICIJ قالت إن الشبكات الحقوقية كتقدر عدد المختفين تحت حكم الأسد بأكثر من 160 ألف شخص، بينما الأسر مازالت كتقلب على جزء كبير منهم حتى اليوم.
وفنفس الوقت، باش يبقى المقال مهني، مهم نذكر أن الحرب السورية شهدت كذلك جرائم وانتهاكات من أطراف أخرى خلال السنوات الطويلة ديال النزاع. هاد السياق ما كيخففش بأي شكل من المسؤولية على اللي وقع لمازن داخل منظومة الاحتجاز السابقة، ولكنه يمنعنا من تحويل ملف حقوق إنسان إلى دعاية سياسية بسيطة. فهاد المقال بالذات، الأدلة اللي كنناقشوها مرتبطة بمؤسسات الدولة السورية السابقة وباعتقال مازن واختفائه داخلها.
من الحقيقة إلى العدالة: واش الوثائق كافية؟
بعد سقوط النظام، السؤال ما بقاش فقط «شنو وقع؟»، ولكن بدا يتحول إلى شكون غادي يتحاسب؟ الأمم المتحدة قالت فـ2025 إن فرص المحاسبة فالقضايا السورية ولات أقرب من قبل، وإن الأدلة والوثائق اللي كيتجمعو يقدرو يساعدو فملفات جرائم خطيرة، ولكن الطريق طويل وكيحتاج حفظ الأدلة، تحديد المسؤوليات وحماية حقوق الضحايا والمتهمين فمسار قضائي حقيقي.
وهاد النقطة مهمة بالنسبة لينا لأن العدالة ماشي هي أننا نشوف صورة جثمان ونكتب اسم شخص من عندنا ونقول «هذا قتلو». العدالة كتحتاج ملف، سلسلة أوامر، شهود، وثائق، تحليل جنائي ومحكمة. الصور الجديدة يمكن تكون خطوة كبيرة، ولكن ماشي نهاية التحقيق. وإذا مازن قضى جزء كبير من حياتو وهو كيقول إنه باغي يشوف اللي مسؤولين على التعذيب قدام القضاء، فأكثر طريقة نحترمو بها قصتو هي أننا ما نستبدلوش القضاء بحكم السوشيال ميديا.
خلاصة Fati Stories
قصة مازن الحمادة ماشي فقط قصة ناشط «قال الحقيقة ودفع الثمن»، لأن هاد الجملة كتقصّر حياة كاملة. هو واحد الإنسان دخل السجن، عاش تجربة قاسية جدًا، خرج منها وحاول يحول الألم ديالو لشهادة تخدم الناس اللي ما قدروش يهضرو. وصل لأوروبا، بقى سنوات كيحاول يقنع العالم أن السجون السورية فيها منظومة تعذيب واختفاء، ولكن فالمقابل بقى هو نفسه كيدفع الثمن النفسي ديال تكرار نفس الشهادة بلا ما يشوف النتيجة اللي كان باغي. ومن بعد رجع فـ2020 فظروف فيها وعود، ضغط، إحباط وأسئلة مازال جزء منها بلا جواب، واختفى من اللحظة اللي وصل فيها لمطار دمشق.
فديسمبر 2024، العائلة لقات أخيرًا الجواب اللي كانت كتخاف منو، وعرفت أن مازن مات داخل منظومة الاعتقال اللي سبق ونجا منها. وبعد عام تقريبًا، خرج أرشيف Damascus Dossier وحط قدام العالم دليلًا جديدًا: مازن موجود فصور النظام كـمعتقل رقم 1174. وهنا بالنسبة ليا كتسد الدائرة بطريقة مؤلمة جدًا؛ الرجل اللي حاول طول سنوات يقول إن وراء كل رقم إنسان عندو اسم وعائلة وقصة، النظام حاول فالنهاية يختزلو هو نفسه لرقم، ولكن شهادتو السابقة خلات هاد الرقم ما يبقاش مجهول.
وهذا ربما هو الشي اللي بقى من مازن أقوى من الطريقة اللي مات بها: هو خرج من السجن مرة بصوتو، ومن بعد ملي رجع وما خرجش بجسدو، الصوت ديالو كان سبق ووصل للعالم وما قدر حتى واحد يرجعو للزنزانة.
ما رأيكم أنتم؟
من بعد ما عرفتو القصة كاملة، بغيت نسولكم: واش كتظنو أن مازن رجع لأنه فعلاً صدق الوعود اللي تعطات ليه، ولا أن سنوات التعذيب والإحباط والإحساس بأن العالم سمع ولكن ما تحركش خلاتو يوصل لمرحلة ولى كيحسب الخطر بطريقة مختلفة؟ وبالنسبة ليكم، واش الدول والمنظمات اللي كتطلب من الناجين يعاودو شهاداتهم قدام العالم عندها مسؤولية أكبر من مجرد إعطائهم منصة، وخصها كذلك توفر ليهم دعم نفسي وحياة مستقرة من بعد ما يسالي التصفيق؟
والسؤال الثاني اللي بالنسبة ليا أصبح أهم من بعد تسريب 2025 هو: واش نشر هاد الأرشيفات والصور كافي باش نقولو الحقيقة خرجات، ولا الحقيقة بلا محاسبة قضائية كتبقى ناقصة؟ كتبولي رأيكم فالتعليقات باحترام، لأن هاد الملف بطبيعتو سياسي ومؤلم، ولكن الهدف ديالنا هنا ماشي السب ولا الاصطفاف، وإنما نفهمو قصة إنسان، شنو تأكد فيها، شنو مازال مجهول، وشنو الأدلة الجديدة زادت لنا بعد سنوات.
المصادر المعتمدة
اعتمدنا فهاد الملف على The Washington Post للتسلسل ديال اعتقال مازن، شهاداتو فالغرب، حالتو قبل الرجوع والمعلومات حول وصوله لمطار دمشق، وعلى The National وAssociated Press لتوثيق العثور على الجثمان، تعرف العائلة عليه والجنازة فديسمبر 2024. واعتمدنا كذلك على Syrian Emergency Task Force لخلفية نشاطه وشهاداته، وعلى المواد الحقوقية المتعلقة بالاعتقال والاختفاء القسري. وبالنسبة للتحديث الجديد، استعملنا تحقيق Damascus Dossier المنشور من طرف ICIJ وNDR وشركاء دوليين فديسمبر 2025، واللي تضمن أرشيفًا واسعًا من وثائق وصور منظومة الاعتقال السابقة ومن بينها صورة مازن تحت رقم 1174.